الآلوسي
153
تفسير الآلوسي
أنهم يمطرون بها ، ولعله مأخوذ من بعض الآثار الواردة في سبب النزول وسنذكره إن شاء الله تعالى وليس نصاً في إرادة الأنواء بل يجوز عليه أن يراد المغارب مطلقاً . وأخرج عبد الرزاق . وابن جرير عن قتادة أنها منازلها ومجاريها على أن الوقوع النزول كما يقال : على الخبير سقطت وهو شائع والتخصيص لأن له تعالى في ذلك من الدليل على عظيم قدرته وكمال حكمته ما لا يحيط به نطاق البيان ، وقال جماعة منهم ابن عباس : النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها . وأخرج النسائي . وابن جرير . والحاكم وصححه . والبيهقي في " الشعب " عنه أن قال : " أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين " وفي لفظ " ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوماً ثم قرأ فلا أقسم بمواقع النجوم " وأيد هذا القول بأن الضمير في قوله تعالى بعد : * ( إنه لقرآن ) * يعود حينئذٍ على ما يفهم من مواقع النجوم حتى يكاد يعدّ كالمذكور صريحاً ولا يحتاج إلى أن يقال يفسره السياق كما في سائر الأقوال ، ووجه التخصيص أظهر من أن يخفى ، ولعل الكلام عليه من باب : وثناياك إنها إغريض وقرأ ابن عباس . وأهل المدينة . وحمزة . والكسائي * ( بموقع ) * مفرداً مراداً به الجمع . * ( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) * . * ( وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظيمٌ ) * مشتمل على اعتراض في ضمن آخر فقوله تعالى : * ( إنه لقسم ) * * ( عظيم ) * معترض بين القسم والمقسم عليه وهو قوله سبحانه : * ( إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ ) * . * ( إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَريمٌ ) * وهو تعظيم للقسم مقرر مؤكد له ، وقوله عز وجل : * ( لو تعلمون ) * معترض بين الصفة والموصوف وهو تأكيد لذلك التعظيم وجواب * ( لو ) * إما متروك أريد به نفي علمهم أو محذوف ثقة بظهوره أي لعظمتموه أو لعملتم بموجبه ، ووجه كون ذلك القسم عظيماً قد أشير إليه فيما مر ، أو هو ظاهر بناءاً على أن المراد * ( بمواقع النجوم ) * ما روي عن ابن عباس . والجماعة ، ومعنى كون القرآن كريماً أنه حسن مرضي في جنسه من الكتب أو نفاع جم المنافع ، وكيف لا وقد اشتمل على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش ، والمعاد ، والكرم على هذا مستعار - كما قال الطيبي - من الكرم المعروف . وقيل : الكرم أعم من كثرة البذل والإحسان والاتصاف بما يحمد من الأوصاف ككثرة النفع فإنه وصف محمود فكونه كرماً حقيقة ، وجوز أن يراد كريم على الله تعالى قيل : وهو يرجع لما تقدم ، وفيه تقدير من غير حاجة وأياً مّا كان فمحط الفائدة الوصف المذكور قيل : إن مرجع الضمير هو القرآن لا من حيث عنوان كونه قرآناً فبمجرد الإخبار عنه بأنه قرآن تحصل الفائدة أي إنه لمقروء على نلا أنه أنشأه كما زعمه الكفار ، وقوله تعالى : * ( فِى كِتَابمَّكْنُونٍ ) * . * ( في كتَابمَّكْنُون ) * وصف آخر للقرآن أي كائن في كتاب مصون عن غير المقربين من الملائكة عليهم السلام لا يطلع عليه من سواهم ، فالمراد به اللوح المحفوظ كما روي عن الربيع بن أنس وغيره ، وقيل : أي في كتاب مصون عن التبديل والتغيير وهو المصحف الذي بأيدي المسلمين ويتضمن ذلك الإخبار بالغيب لأنه لم يكن إذ ذاك مصاحف ، وأخرج عبد بن حميد . وابن جرير عن عكرمة أنه قال : في كتاب أي التوراة والإنجيل ، وحكي ذلك في " البحر " ثم قال : كأنه قال : ذكر في كتاب مكنون كرمه وشرفه ، فالمعنى على هذا الاستشهاد بالكتب المنزلة انتهى . والظاهر أنه أريد على هذا بالكتاب الجنس لتصح إرادة التوراة والإنجيل ، وفي وصف ذلك بالمكنون خفاء ولعله أريد به جليل الشأن عظيم القدر فإن الستر كاللازم للشيء الجليل ، وجوز إرادة هذا المعنى المجازي